حيدر حب الله
166
بحوث في فقه الحج
نتيجة عدم وضوح طبيعة المسألة تاريخيّاً ، فمن جهة ثمّة حوادث وتغييرات كثيرة طرأت على الحرم لم تثر أيّ فقيه كحجم الكعبة التي كانت أقلّ علوّاً ممّا هي اليوم ، ولو بقرينة روايات تحطيم الأصنام عند فتح مّكة ، ومن جهةٍ أُخرى لا ندري كيف وصلت الجمرة إلى وضعها الحالي ، فلعلّ التدريج كان هو الطريقة المتّبعة الأمر الذي لم يكن دفعياً حتّى يثير حفيظة أحد . والملفت للنظر أنّ المستدلّ نفسه ، فرّ من بعض التفسيرات لبعض كلمات الفقهاء باحتمال أنّ الجمرة هدمت في بعض الفترات الزمنية وكانت أرضاً « 1 » ، فكيف لم يكن هذا الأمر مورداً لسؤال الفقهاء في تلك الحقبة ما قبل صاحب الدروس ؟ ! 3 - لو لم تكن للأعمدة أساس تاريخي لهدمها السلفيّون . وهذه القرينة ضعيفة ، أقصاها أنّهم يعتقدون بقدمها ، وأيّ حجّة علينا نحن في ذلك ، بعد أن كنّا معاصرين لهم وقريبين ؟ فهل اجتهادهم التاريخي - ونحن لا ندري أنّهم اجتهدوا أساساً في هذا الأمر أم لا - حجّة علينا ؟ وأين ما يثبت أنّهم اعتمدوا على دراسة تاريخيّة ؟ وهل أنّ ظاهرة هدم المعالم الدينيّة عند الوهابية كان أمراً محصوراً بما لم يثبت تاريخيّاً ؟ وهل كان المعيار عندهم هو الثبوت التاريخي أم أمر آخر ؟ . . . أسئلة كثيرة لا تجعل لهذه القرينة من قوّة واستحكام . 4 - إنّ مقتضى الطبع العقلائي والعرفي العام هو وضع علائم على مثل هذه الأُمور ، والقبور خير شاهد ، ولنا في قصّة قبر عثمان بن مظعون شهادة أُخرى « 2 » . والجواب : إنّ ذلك صحيح كبرويّاً ، لكن افتراض أنّ العلامة كانت عموداً في المكان أمرٌ يحتاج إلى دليل ، فطريقة تحديد المواضع ليست ذات شكل واحد ، فلعلّ العلامة كانت قريبة من مكان الرمي ، أو لعلّ مكان الرمي بطبعه كان مشخّصاً كحفرة يجتمع فيه الحصى ، أو تلّ صغير من حصى متراكم وما شابه . هذه حصيلة الوجوه التي ذكرت لإثبات أنّ الجمرة زمن صدور النصّ كانت هي
--> ( 1 ) . المصدر نفسه . ( 2 ) . المصدر نفسه : 72 - 73 .